أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

481

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : مِنْ حَيْثُ متعلق بما قبله ، وقد تصرف في « حيث » بجرّها بمن كما جرّت بالباء وفي ، وبإضافة « لدى » إليها . و « أخرجوكم » في محلّ جرّ بإضافتها إليه . ولم يذكر « للفتنة » ولا « للقتل » - وهما مصدران - فاعلا ولا مفعولا ، إذ المراد إذا وجد هذان ، من أيّ شخص كان بأي شخص كان ، وقد تقدّم أنه يجوز حذف الفاعل مع المصدر . قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة : « ولا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم ، فإن قاتلوكم » بالألف من القتال ، وقرأها حمزة والكسائي من غير ألف من القتل . فأما قراءة الجمهور فهي واضحة لأنها نهي عن مقدّمات القتل ، فدلالتها على النهي عن القتل بطريق الأولى . وأمّا قراءة الأخوين ففيها تأويلان ، أحدهما : أن يكون المجاز في الفعل ، أي : ولا تأخذوا في قتلهم حتى يأخذوا في قتلكم . ومنه قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ « 1 » ثم قال : فَما وَهَنُوا أي ما وهن من بقي منهم ، وقال الشاعر : 873 - فإن تقتلونا نقتّلكم * وإن تفصدوا الدّمّ نفصد « 2 » أي : فإن تقتلوا بعضنا . وأجمعوا على « فاقتلوهم » أنّه من القتل ، وفيه بشارة بأنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم متمكّنون منهم بحيث إنكم أمرتم بقتلهم لا بقتالهم لنصرتكم عليهم وخذلانهم ، وهي تؤيّد قراءة الأخوين ، ويؤيّد قراءة الجمهور : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . و « عند » منصوب بالفعل قبله . و « حتى » متعلقة به أيضا غاية له بمعنى « إلى » ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » كما تقرّر . والضمير في « فيه » يعود على « عند » ، إذ ضمير الظرف لا يتعدّى إليه الفعل إلا ب « في » ، لأنّ الضمير يردّ الأشياء إلى أصولها ، وأصل الظرف على إضمار « في » اللهم إلا أن يتوسّع في الظرف فيتعدّى الفعل إلى ضميره من غير « في » ، لا يقال : « الظرف ليس حكمه حكم ظاهره ، ألا ترى أنّ ضميره يجرّ بفي وإن كان ظاهره لا يجوز ذلك فيه . ولا بدّ من حذف في قوله : فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ أي : فإن قاتلوكم فيه فاقتلوهم فيه ، فحذف لدلالة السياق عليه . قوله : كَذلِكَ جَزاءُ فيه وجهان ، أحدهما : أنّ الكاف في محلّ رفع بالابتداء ، و « جزاء الكافرين » خبره ، أي : مثل ذلك الجزاء جزاؤهم ، وهذا عند من يرى أن الكاف اسم مطلقا ، وهو مذهب الأخفش . والثاني : أن يكون « كذلك » خبرا مقدما ، و « جزاء » مبتدأ مؤخرا ، والمعنى : جزاء الكافرين مثل ذلك الجزاء وهو القتل . و « جزاء » مصدر مضاف لمفعوله أي : جزاء اللّه الكافرين . وأجاز أبو البقاء أن يكون « الكافرين » مرفوع المحلّ على أن المصدر مقدر من فعل مبنيّ للمفعول ، تقديره : كذلك يجزى الكافرون ، وقد تقدّم لنا في ذلك خلاف . ومتعلق الانتهاء محذوف ؛ أي : عن القتال . وانتهى « افتعل » من النهي ، وأصل انتهوا : انتهيوا ، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت . التقى ساكنان فحذفت الياء لالتقاء الساكنين ، أو تقول : تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الألف وبقيت الفتحة تدلّ عليها . قوله تعالى : حَتَّى لا تَكُونَ : يجوز في « حتى » أن تكون بمعنى كي ، وهو الظاهر ، وأن تكون بمعنى

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 146 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 67 ) .